الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
136
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
بعد ذلك لقلّة وفائه . والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا ، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها لأنها تخرج قبيحة المنظر جدّا ، إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرؤوس والمناقير جرداء اللون متفاوتة الأعضاء ، فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه فيجعل اللّه قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشهّ إلى أن يقوى وينبت ريشه فيعود إليه أبواه ، وعلى الأنثى أن تحضن ، وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم ، وفي طبع الغراب أنهّ لا يتعاطى الصيد ، بل إن وجد جيفة أكل منها وإلّا مات جوعا ، ويتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير ، وفيه حذر شديد وتنافر . والغداف يقاتل البوم ويخطف بيضها ويأكل بيضها ، ومن عجيب أمره أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه يحمل الذكر والأنثى في أرجلهما الحجارة ويتحلقان الجو ويطرحان الحجارة عليه ، والعرب تتشأم بالغراب ولذا اشتقوا من اسمه ، الغربة . وقال صاحب المجالسة : سمّي غراب البين لأنهّ بان عن نوح عليه السّلام لما وجهّه لينظر إلى الماء فذهب ولم يرجع . وذكر ابن قتيبة إنهّ سمّي فاسقا فيما أرى لتخلفّه حين أرسله نوح عليه السّلام ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره ووقع على جيفة ، قال عنترة : ظعن الذين فراقهم أتوقّع * وجرى ببينهم الغراب الأبقع وقال صاحب منطق الطير : الغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحلّ والحرم من الفواسق . وقال الجاحظ : غراب البين نوعان : غراب صغير معروف باللؤم والضعف ، وآخر ينزل في دور الناس ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها ، ويقال : إذا صاح الغراب مرّتين فهو شرّ وإذا صاح ثلاث فهو خير . ولما كان صافي البصر حاده ، سمّي أعور ، قال الجاحظ : سموّه بالأعور تطيّرا منه وليس به عور ، وقيل : إنّما سموّه أعور تفؤلا بالسلامة منه كما